أخبار اقتصادية

“العملية المشبوهة”: المصارف تتخلص من خسائرها على حسابنا

في ظل الأزمات المعيشيّة الخطرة التي يغرق فيها جميع المقيمين في لبنان اليوم، قلما يخطر ببال أحد البحث خلف الأخبار الاقتصاديّة التي تتجاوز مسألة توفّر الأساسيّات كالدواء والمحروقات والخبز وأسعارها في السوق، أو السيولة المتبقية لشراء هذه المواد. فالإنشغال بهذه القضايا لم يترك متسعاً من الوقت أو الاهتمام لمراقبة المؤشرات الماليّة الأخرى، مهما بلغت خطورها، أو كلفتها على المدى الطويل على جميع اللبنانيين.

لكن في الوقت نفسه، لا يبدو أن إدارات المصارف وأصحابها، واللوبي اللصيق بهم في النظام السياسي ومصرف لبنان، يفوّتون فرصة واحدة لإعادة هندسة هيكلة الانهيار بما يتناسب مع مصالحهم على المدى الطويل، مهما كانت كلفة هذه الفرص على سائر اللبنانيين. لا، بل يبدو أن هؤلاء يتقنون استغلال انشغال اللبنانيين جميعاً بهذه الظروف المأساويّة، ليمرروا بعيداً عن الأنظار أجنداتهم الماليّة الخاصّة، بعيداً عن أي خطة متكاملة لتوزيع الخسائر. كما يبدو أن الفراغ الحكومي الحاصل، وعدم وجود طرف قادر على صياغة هذه الخطة، سهّل على المصارف ومن يدور في فلكها هذه المسألة.

فمنذ أيام، نشرت جمعيّة المصارف مجموعة من الأرقام المتعلّقة بالدين العام وحملة السندات، وتوزّع السندات على الدائنين المختلفين، وأكّدت هذه الأرقام أن ثمّة ما يجري بعيداً أن أعين الرأي العام لإعادة توزيع خسائر تعثّر الدولة، بما يحمي مصالح المصرفيين ويحمّل الكلفة للدولة ومصرف لبنان وعموم اللبنانيين.تراكم فوائد اليوروبوندمرّ أكثر من سنة وخمسة أشهر على إعلان لبنان امتناعه عن سداد سندات اليوروبوند، ولم تبدأ الدولة اللبنانيّة حتّى اللحظة مسار التفاوض مع حملة السندات، لإعادة هيكلة السندات وفق قِيم وآجال وفوائد جديدة. مع العلم أن منطق الأمور يقضي بأن يكون هذا التعثّر فرصة للتفاهم على حسومات من قيمة هذه السندات بعد إعادة هيكلة، لتمكين الدولة من سدادها لاحقاً، كما يجري في العادة بعد تعثّر أي مدين، سواء كان دولة أو شركة أو شخصاً.

عمليّاً، وحتّى لو لم يتم التفاوض مع جميع حملة السندات، كان بإمكان الدولة أن تشرع بعملية إعادة شراء لبعض السندات المعروضة في الأسواق، خصوصاً أن قيمتها المتداولة في السوق انخفضت بعد تعثّر الدولة إلى 15% من قيمة السند الأساسيّة الذي يفترض أن تدفعه الدولة عند الاستحقاق. على سبيل المثال، يترتّب على الدولة اليوم ما يقارب 34.59 مليار دولار من الدين لحملة سندات اليوروبوند، لكن قيمة السندات عند تداولها في السوق لا تتخطى 5.2 مليار دولار بسبب ارتفاع مخاطرها بعد تعثّر الدولة.

التقاعس عن التفاوض مع حملة السندات، وتغاضي فكرة التفاوض لشراء بعض السندات من السوق مباشرة، لم يكن مسألة عبثيّة وغير هادفة، بل اتصلت كل هذه الخطوات بمصالح حاملي السندات المحليين والأجانب. فوفقاً لآخر أرقام جمعيّة المصارف، تراكم حتّى نهاية الربع الأوّل من السنة الحاليّة ما يقارب 2.44 مليار دولار من الديون الإضافيّة المترتبة على الدولة اللبنانيّة لصالح حملة السندات، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، نتيجة الفوائد التي استحقت على الدولة اللبنانيّة خلال هذه المدّة. وبذلك، ارتفع حجم دين الدولة بالعملة الصعبة بما يقارب 7.58% خلال سنة واحدة فقط من المراوحة. تضخّم الدين المتعثّر بالعملة الصعبة، سيمثّل عامل ضغط إضافياً يستفيد منه الدائنون خلال الفترة المقبلة، ومنهم المصارف التي ما زالت تحمل ما يقارب ربع هذه السندات.

مع العلم أن المصارف استفادت أيضاً من المراوحة في هذا الملف وعدم وجود أي مفاوضات جديّة، عبر التخلّص تدريجيّاً من جزء كبير من سندات اليوروبوند التي تملكها، وبيعها لصناديق الاستثمار الأجنبيّة. هذه الممارسات التي بدأت أساساً منذ حصول الأزمة في تشرين الأوّل 2019 وجرى الحديث عنها كثيراً، توسّعت بشكل لافت مؤخراً، ليصل حجم سندات اليوروبوند التي تخلّصت منها المصارف في الربع الأول من هذه السنة فقط إلى حدود 1.2 مليار دولار، حسب أرقام جمعيّة المصارف. أما خطورة هذه الإجراءات التي تريح المصارف من عبء سندات الدولة المتعثّرة، فتكمن في زيادة نسبة الدائنين الأجانب، الذين يملكون قوّة تفاوضيّة أقوى في وجه الدولة اللبنانيّة، من خلال قدرتهم على تهديد موجودات مصرف لبنان في الخارج، في حال مقاضاة الدولة أمام المحاكم الأجنبيّة، وتحديداً محاكم نيويورك.تحميل مصرف لبنان الخسائرالأرقام التي جرى نشرها مؤخراً، تظهر أن حجم سندات الدين العام بالليرة اللبنانيّة التي يملكها مصرف لبنان ارتفعت حتّى نهاية الربع الأول من هذه السنة إلى حدود 37.44 مليار دولار، مقارنة بـ34.18 مليار دولار فقط في الفترة المماثلة من العام السابق، ما يعني أن محفظة السندات التي يحملها المصرف المركزي من الدين بالليرة ارتفعت بنحو 3.26 مليار دولار بين الفترين. أما بالنسبة المئويّة، فيتبيّن أن حجم هذه المحفظة ارتفع خلال هذه المدة بنسبة 9.53%.

بالتأكيد لا يملك مصرف لبنان سوى طباعة العملة لشراء هذه السندات، ما يعني أن كلفة هذه العمليّة كنّا نتحمّلها جميعاً من خلال انهيار سعر الصرف، وهي عمليّة تُعرف في الأوساط الماليّة بمبدأ “تسييل الخسائر”، أي خلق السيولة للتعامل معها. فما الهدف من استحواذ المصرف المركزي لهذا الحجم المتزايد من سندات الخزينة بالليرة؟

الهدف الأوّل كما هو معروف، كان تمويل إنفاق الدولة، في ظل العجز الموجود في ميزانياتها، وعدم وجود أي طرف مستعد لمنحها المزيد من القروض، طالما أنها لم تخرج من حالة الإفلاس. أما الهدف الآخر، فلم يكن سوى تخليص المصارف من محفظة السندات التي تملكها، عبر شراء مصرف لبنان سندات الخزينة لإقراض الدولة، من أجل سداد ديونها للمصارف. فحتى نهاية الربع الأوّل من هذه السنة، كانت المصارف قد تخلصت بهذه الطريقة من أكثر من 1.2 مليار دولار من سندات الدين بالليرة التي تملكها، المستحقة على الدولة اللبنانيّة. وبهذه الطريقة، خفضت المصارف حجم الخسائر المتوقعة نتيجة تعثّر الدولة، خصوصاً كون الدولة قد تلجأ في المستقبل إلى التفاوض على هذه السندات لإعادة هيكلتها.

جميع الخبراء القانونيين المتابعين لهذه القضيّة يستغربون هذا السلوك المريب، الذي يصل إلى حد التواطؤ المشبوه، الذي يمارسه كل من المصرف المركزي ووزارة الماليّة في ما يخص هذا الملف. فالدولة المتعثّرة، والتي أعلنت امتناعها عن سداد سندات اليوروبوند، لم يكن من المفترض أن تكون في موضع الاستمرار بسداد السندات المقومة بالليرة، خصوصاً إذا كان ذلك على حساب قيمة الليرة وقدرة اللبنانيين الشرائيّة. بل كان من المفترض أن تكون هذه السندات موضع تفاوض خلال الفترة الماضية تماماً كسندات اليوروبوند.لعبة الفوائد لزيادة الأرباحأرقام الدين العام الأخيرة تظهر أن متوسّط الفوائد المدفوعة على السندات بالليرة اللبنانيّة مازال عند حدود 6.5% حتّى نهاية شهر آذار الماضي، وهو المتوسّط نفسه الذي كانت تدفعه الدولة منذ سنة بالتحديد. لكن خلال هذه السنة، كانت المصارف قد خفّضت الفوائد المدفوعة على الودائع الموجودة لديها بالليرة إلى متوسّط يقارب 2.11% في نهاية شهر نيسان الماضي، مقارنة بـ5.06% قبل سنة بالضبط. ببساطة، كانت النتيجة مضاعفة الأرباح التي تحصدها المصارف، بعد انخفاض قيمة الفوائد المدفوعة للمودعين، وعدم قيام الدولة بالتفاوض على الفائدة المرتفعة التي تدفعها للمصارف. وهنا يشير الخبراء مرّة أخرى إلى حجم الشبهات الذي يحيط بهذا الملف، خصوصاً أن الوضع الطبيعي يقضي بشروع الدولة بالتفاوض على هذه الفوائد لا الاستمرار بدفعها وكأن شيئاً لم يكن.

في الحصيلة، يتبيّن أن شغور المشهد من أي خطة ماليّة متكاملة لم يكن مسألة عبثيّة، بل كان عمليّة متعمّدة وهادفة من ناحية نتائجها، وخصوصاً من ناحية فتح المجال أمام هذا النوع من الخطوات المشبوهة. ومن هنا، يمكن فهم لعبة اللوبي المصرفي الممتد داخل أذرعة الدولة التشريعيّة والتنفيذيّة، والذي لعب دوراً اساساً في الإطاحة بجميع فرص المعالجة، وبأي احتمال لبروز خطة ماليّة تتعامل مع الانهيار الحاصل

زر الذهاب إلى الأعلى