إقتصاد

ارتفاع أسعار الغذاء يزيد معاناة 5 مناطق ساخنة حول العالم

تسابق العالم لتطعيم سكانه والخروج من أزمة وباء فيروس كورونا، ولكن هناك تحدياً آخر ظهر بالفعل أمام بعض الحكومات والاقتصادات الأكثر ضعفاً.

وتعد أسعار الغذاء العالمية عند أعلى مستوياتها في أكثر من 6 سنوات بدفع من الارتفاع في تكلفة كل شيء، بدءاً من فول الصويا إلى زيت النخيل والطلب من الصين وسلاسل التوريد الضعيفة والأحوال المناخية المعاكسة.

وتحذر بعض البنوك من أن العالم يتجه إلى “دورة فائقة” في أسعار السلع، ويضع التضخم ضغطاً آخر على المستهلكين المتضررين من الركود الناتج عن الوباء ومن تراجع العملات في بعض المناطق.

ومنذ بداية العام الحالي، اندلعت الاحتجاجات في السودان، في حين ساهمت المخاوف بشأن تأمين الغذاء في إثارة تظاهرات في لبنان، وفي تونس، نقطة انطلاق انتفاضات “الربيع العربي” قبل عقد من الزمن. وفي الهند، ثار المزارعون ضد الجهود المبذولة لخفض الأسعار، بينما فرضت روسيا والأرجنتين قيوداً على تصدير المحاصيل لضبط الأسعار في السوق الداخلية. وحتى الدول الغنية مثل الإمارات العربية المتحدة تفكر في وضع سقف لأسعار بعض الأطعمة.

وقال كولن هندركس، زميل غير مقيم في معهد بيترسون للاقتصاديات الدولية، مركز الأبحاث الواقع في واشنطن: “تزعزع هذه الارتفاعات في الأسعار الاستقرار، وليس فقط لأنها تزيد الصعوبات على المجتمعات والأسر، وإنما لوجود توقعات بأن الحكومات لن تفعل شيئا حيالها”، وتوقع أن تستمر تداعيات ارتفاع الأسعار لوقت أطول بعد الوباء.

وكما هو الحال دائماً، يُعدُّ التأثير متفاوتاً، ففي الدول الغربية الغنية، يتعلق الأمر بالتسويق وبتغيير العلامة التجارية للمنتج، وإنما في الدول الأفقر، يكون الفرق هو الاختيار بين إرسال الأطفال إلى المدرسة أو إخراجهم منها لكسب المال.

ومع ذلك، فإن التأثيرات تكون أقسى عبر أكبر دول الدخل المتوسط لأنها تمثل الأماكن الأكثر كثافة بالسكان على الكوكب وتشكل فيها تكاليف الغذاء الحصة الأكبر من سلة الأسعار الاستهلاكية، كما أنها أكثر المناطق التي تخضع فيها الحكومات لضغوط للتصرف.

البرازيل: الضغط الشعبي

شهد أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية أسرع زيادة في أسعار المواد الغذائية بين الأسواق الناشئة العام الماضي مقارنة بالتضخم الإجمالي، بسبب التراجع المستمر في قيمة العملة، وفقا لـ”أوكسفورد ايكونوميكس”.

وفي نفس الوقت، تتراجع شعبية الرئيس جايير بولسونارو لمستويات منخفضة قياسية بينما يحاول إيجاد طرق لتهدئة الناخبين، وفي 19 فبراير، أطاح فجأة برئيس شركة البترول الحكومية بعد خلاف بشأن أسعار الوقود، كما أنه يضغط من أجل جولة جديدة من مساعدات فيروس كورونا إلى الفقراء بعد انتهاء المساعدات النقدية في ديسمبر.

وتقول ماريا أندريا لاميراس، الباحثة في معهد الأبحاث الاقتصادية “إيبيا” (Ipea)، إن المشكلة تكمن في أن المساعدات النقدية تسببت في ارتفاع أسعار الغذاء، وقفز سعر الأرز بنسبة 76% العام الماضي، كما صعدت أسعار اللحوم والألبان بأكثر من 20%، وأضافت أن الحكومة وزعت أموالاً على شريحة السكان الأكثر إنفاقاً على المواد الغذائية.

وتهدد تكلفة تأمين المواد الغذائية الأساسية بمفاقمة عدم المساواة في الدولة التي تعاني من أكبر فجوة في الدخل في أمريكا اللاتينية، وهو وضع زاده كورونا سوءاً، وحتى في حال عودة المساعدات، ستكون المدفوعات الشهرية أقل وتصل لعدد أقل من الناس، ما يحد من قدرتها على تخفيف الفقر المدقع.

روسيا: الدرس التاريخي

لا تزال ذكريات ارتفاع الأسعار ورفوف المتاجر الفارغة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي حية في أذهان الكثير من الروس. وفي ظل تعافي شعبيته بالكاد من أدنى مستوياتها والاحتجاجات التي تطالب بالإفراج عن زعيم المعارضة، أليكسي نافالني، يقلق الرئيس، فلاديمير بوتين، من التأثير السياسي لتكاليف الغذاء.

وفي الأسابيع الماضية، فرضت مُصدّرة القمح الأولى في العالم تعريفات وحصصاً للحد من المبيعات للخارج وخفض الأسعار محلياً، كما أمرت أكبر تجار التجزئة في الدولة بتجميد أسعار بعض المواد الغذائية بعد ارتفاع أسعار البطاطس والجزر بأكثر من الثلث منذ العام الماضي.

ولكن مثل هذه القيود قد تكون لها نتائج عكسية وينتهي بها الأمر بزيادة التضخم الكلي، وقدرت غرفة التدقيق، جهة الرقابة الحكومية، في يناير أن أسعار الغذاء بشكل عام ستقفز عند رفع القيود في نهاية مارس.

وقال هندريكس: “قد تشهد روسيا استقطابا سياسيا حقيقيا نتيجة أسعار الغذاء.. وتميل الحكومات الاستبدادية إلى السماح بهذه الأنواع من الاحتجاجات المرتبطة بـ”قضايا مائدة الطعام” أكثر من الحملات العامة المتعلقة بالفساد والحكم الاستبدادي، ولكن كما أظهرت ثورات “الربيع العربي” يمكن أن تتحول الأولى إلى الثانية، وسريعا جدا في بعض الأحيان”.

نيجيريا: عاصفة مثالية

تشكل أسعار الغذاء في أكبر اقتصاد في إفريقيا أكثر من نصف مؤشر التضخم في الدولة، وارتفعت بأسرع وتيرة في 12 عاما في يناير، وتنفق الأسرة النيجيرية العادية أكثر من 50% من موازنتها على الغذاء، وتضاف هذه الأسعار إلى “عاصفة مثالية” من تحديات الأمن الغذائي التي طاردت نيجيريا طوال فترة الوباء.

وجفت الاحتياطيات الأجنبية المطلوبة لاستيراد البضائع بعد انهيار أسعار البترول، وأثرت عقبات التوريد والهجمات الإرهابية على المزارعين على معروض البضائع الزراعية، كما كان هناك نقص في المواد الأساسية مثل الأرز بعدما قيدت السلطات الواردات وأغلقت الحدود لمدة 16 شهرا، ولكن حتى بعدما أعادت الدولة فتح الحدود في ديسمبر، لم تخف الضغوط التضخمية.

ولعبت المظالم المتعلقة بالغذاء دورا في استمرار الاحتجاجات ضد العنف الأمني في الخريف، وما بدأ كمظاهرات ضد وحشية الشرطة في عهد الرئيس محمد بخاري، تحول إلى نهب للمستودعات التي تخزن أشياء مثل المعكرونة والأرز.

تركيا: قائد غاضب

باعتبارها أكبر مستهلك في العالم للخبز للفرد، وأكبر مصدر للدقيق، تعد تركيا معرضة بشكل خاص لمخاطر دورة صعود في أسعار السلع، وصعدت أسعار الغذاء بنسبة 18% في يناير منذ العام الماضي، في ظل الارتفاعات الحادة في أسعار السلع الأساسية بدءا من الحبوب إلى الخضروات.

وعانت تركيا من تضخم من رقمين لسنوات، ولكن تزداد التداعيات السياسية على الرئيس رجب طيب أردوغان في الوقت الذي تضرب فيه تكاليف الغذاء قاعدته الانتخابية الرئيسية مع تراجع قيمة الليرة.

وأمر أردوغان بإجراء تحقيق في ارتفاع أسعار الغذاء، وقال إن الزيوت والبقوليات والخضروات والفواكه تمثل “مصدر القلق الأساسي”، وحذر الرئيس في يناير من أن وزارة التجارة قد تفرض غرامات على الشركات التي تبيع منتجات غذائية بأسعار عالية، ولكن التهديدات الحكومية والغرامات المالية السابقة في 2019 لم تؤتي ثمارها.

الهند: تدابير توازن

باعتبارها موطن أكبر أرض صالحة للزراعة بعد الولايات المتحدة، تعد الهند أكبر مصدر للأرز وثاني أكبر منتج للقمح، وفي نفس الوقت، لا يتحمل الملايين من سكانها تكلفة الغذاء، وتعاني الدولة من أحد أعلى معدلات سوء التغذية بين الأطفال.

ورغم أن أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفعت بوتيرة أبطأ في الأسابيع الماضية، لا يزال الغذاء مركز التوترات السياسية التي تجتاح الهند، وتصاعدت احتجاجات المزارعين بسبب تحرك حكومة رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، لتحرير سوق المحاصيل، ويشعر المزارعون بالقلق من أن القانون الجديد سيخفض الأسعار.

ويضغط مودي من أجل إصلاحات يعتقد الكثيرون أنها مصممة لخفض فاتورة دعم المواد الغذائية في الهند في نهاية المطاف، والتي تعد الأكبر في العالم، وقالت الحكومة في يناير إن الدعم أصبح كبيرا “بشكل خارج عن السيطرة”، وغالبا ما كان يؤدي خفض دعم الغذاء والوقود إلى اضطرابات، وتقول شركة المخاطر والاستشارات الإستراتيجية العالمية “فيريسك مابلكروفت” (Verisk Maplecroft) إن التوقعات لا تبدو جيدة بالنسبة للهند في العامين المقبلين.

المصدر:الشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى