بيروتيات

“الصالون الثقافي” يقرأ أزمة المصارف اللبنانية

عقد “الصالون الثقافي” جلسته الثانية، بدعوة من المحامي زكريا الغول وزوجته المحامية نادين عراجي في منزلهما ببيروت، لمناقشة وضع القطاع المصرفي في لبنان. في بداية اللقاء، رحّب الأستاذ زكريا الغول بالحضور الذي هو نموذج للنخبة البيروتية، مؤكداً على أن الهدف أن يكون واحة حوار مفتوح وصريح من دون قيود. وأضاف أن محور اللقاء هو الحديث عن قطاع المصارف الذي ارتبط ظهوره بإنتاج الحرير وتصديره، والحركة التجارية الناشطة والمرتبطة بمرفأ بيروت منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، وصولاً إلى قيام دولة لبنان الكبير قبل أكثر من قرن. ومر القطاع بمراحل مختلفة وكان أخطرها أزمة بنك إنترا في ستينيات القرن الماضي، إلى أن وصلنا إلى الأزمة الحالية، استرجاعاً لتاريخه وتطوره في الحقب الزمنية المختلفة، مع تشخيص العلل المزمنة للاقتصاد اللبناني، ودور قطاع الخدمات في ازدهار قطاع المصارف الذي أصبح لسنوات طويلة ميزة لبنان، في المنطقة، قبل أن يفقد دوره الرائد. وأخيراً استشراف مستقبل المصارف وارتباط انحدارها واضمحلالها بانحدار دور لبنان وتزعزع الكيان نفسه. حضر اللقاء الخبير المصرفي الدكتور جميل الجارودي، متحدثاً وشارحاً وموضحاً لجملة من التساؤلات التي طرحها الحاضرون، وهم: الدكتور المؤرخ عصام شبارو، والدكتور سهيل منيمنة، والمهندس عبد الله الغول، ومروان جارودي، وأحمد نخال المدير السابق في غرفة التجارة والصناعة، والكابتن عماد حاسبيني، والمصرفي سامر جبر، والصحافي هشام عليوان، والإعلامية ندى الحوت.

أضاء الدكتور الجارودي على أهمية قطاع المصارف في لبنان وارتباط ظهوره بصناعة الحرير في لبنان، في القرن التاسع عشر الميلادي. وأشار إلى أن عجز الميزان التجاري قديم في لبنان، وكانت التدفقات المالية على أنواعها والتي تحتسب بما يسمى بميزان المدفوعات، هو الذي يغطي العجزالذي يعرف بالميزان التجاري. والعجز في الموازنة ليس عيباً، اذ هو موجود في كثير من دول العالم، ولكن المهم ان لا يعطل النمو ولا استفحال زيادة الدين الخارجي او الداخلي. وقال الجارودي إن ريادة لبنان في العمل المصرفي انتقلت إلى البحرين إبان الحرب الأهلية منتصف سبعينيات القرن الماضي، ومن ثم أصبح الثقل الآن في دبي. وفيما خص الأزمة المصرفية الحالية، وهل هي مسؤولية المصارف أم المصرف المركزي أو الدولة؟ أجاب الجارودي: الثلاثة معاً، ولكن هي مسؤولية الدولة في المقام الاول في كل الأحوال، لأنها التي تتولى مسألة الإنفاق الذي يحمل في طياته الفساد والهدر، وهما اللذان فاقما الاختلال بين واردات الدولة ونفقاتها بهذا الفارق الكبير الذي ظهر للعيان مؤخراً. كذلك المسؤولية تقع ولو بدرجة أقل على حاكم المصرف الدكتور رياض سلامة الذي كان عليه أن لا يجاري الحكومات المتعاقبة في تجاوزها لقواعد الموازنة العامة، وكذلك لجنة الرقابة على المصارف التي لم تطبق الحدود المعقولة على المصارف فيما يتعلق بمخاطر تركز المديونية لعميل واحد، كما أن المصارف بشكل عام، اتصفت بالشجع والسعي وراء الربح المريح من خلال أكثر من 80% من ودائعها في سندات الخزينة، أو هندسات المصرف المركزي ذات الفوائد العالية المغرية أي في تمويل دولة فاسدة.

وخلص الدكتور الجارودي إلى أن انهيار القطاع المصرفي سيؤشر على نهاية لبنان نفسه. فالاقتصاد اللبناني ضعيف البنية أساساً، وارتكز لعشرات السنين على قطاع الخدمات، ولم يُعر أهمية جادة للقطاعات الإنتاجية الاخرى. وفي حقبة ما بعد الحرب، تضخم قطاع المصارف بسبب اعتماد سياسة الاستدانة من أجل الإنفاق على إعادة الإعمار وتسيير أمور الدولة، لا سيما مع رفع فوائد البنوك كما فوائد سندات الخزينة إلى مستويات غير معقولة، حتى إن لبنان أضحى قبلة الأموال الهاربة من الأزمة المالية العالمية عام 2008، فتضخمت ودائع المصارف إلى مستويات غير مسبوقة، أولاً لسريان سرية المصارف ولبنان هو آخر بلد يتبنى هذا القانون بالصيغة القديمة، وثانياً لارتفاع نسبة الفوائد التي تمنحها المصارف اللبنانية للمودعين، وثالثاً لأن القطاع المصرفي في لبنان كان يتمتع بسمعة جيدة، ولا مخاطر في الأفق تهدد المودعين بأزمات مالية كالتي أصابت دولاً كثيرة.

لكن البنيان تداعى وانهار الوهم لا سيما بعدم حرفية المنظومة بكاملها بمعرفة اتخاذ القرارات المهمة والمصيرية، وكذلك بأهمية توقيت اتخاذ القرارات ووضع الأولويات.

زر الذهاب إلى الأعلى