كورونا

مع بدء عمليات التلقيح… هل تنقذ التكنولوجيا قطاع النقل الجوي المحتضر؟

د. نادين عـيتاني- رئيسة مركز الشرق الأوسط لبحوث الطيران

 

تعمل المنظمات الدولية للطيران المدني بجهد مع كبرى دول العالم لإيجاد استجابة منسقة لمواجهة تداعيات الموجة الثانية من وباء كوفيد-19، بعدما أثار تحوّر الفيروس وظهور سلالة جديدة له قلقاً عالمياً دفع العديد من الدول الى إغلاق معابرها الجوية مجدداً والتشدد في القيود على السفر.

 

 

وفي هذا السياق، تعود لتبرز أهمية ابتكار حلول مستدامة لمواجهة المخاطر التي تهدّد قطاع النقل الجوي العالمي والذي يعتبر الوقود الحيوي للاقتصاد، حيث يشكل نسبة 3,6% من إجمالي الناتج المحلي العالمي. وكانت جائحة كورونا قد وجهت للسياحة وللسفر صدمة غير مسبوقة كلفت القطاع خسائر مالية في الإيرادات تخطت 400 مليار دولار وخسارة اكثر من 24 مليون وظيفة.

 

 

 

ومع تحوّل التهديدات من أمنية إلى صحيّة، تتجه الانظار اليوم نحو السباق ما بين التكنولوجيا والفيروس الذي يشلّ حركة السفر ويكبّد شركات الطيران العالمية خسائر يومية تقدّر بـ 230 مليون دولار. وبدأت العديد من المطارات وشركات الطيران دراسة خطط لتطبيق تقنيات حديثة لعودة السفر الآمن والتعايش مع مخاطر الطوارئ الصحية. فهل ستربح تكنولوجيا المعلومات هذا السباق؟


وجهك هو جواز سفرك

تقوم العديد من الدول حول العالم باستخدام تقنية التعرّف على الوجه كواحدة من أهم تقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك في العديد من المجالات، وأبرزها الأمنية. قبيل انتشار جائحة كورونا، كانت المطارات قد بدأت باستخدام هذه التقنية في أرجاء مختلفة من المطار وتحديداً عند بوابات المغادرة، حيث يقوم النظام بمسح وجوه المسافرين مسحاً ضوئياً عبر كاميرات مثبتة عند اقترابهم من بوابة المرور للطائرة، ويقوم بمطابقة صور الوجوه مع قاعدة بيانات تضم الصور المستخدمة في جوازات السفر.

 

 

الآن ومع انتشار جائحة كورونا، تستعمل المطارات هذه التقنية بشكل معزز، ليس لتقليل أوقات الانتظار فحسب، بل لتحد من اللمس والاتصال بين المسافرين وموظفي شركات الطيران وضباط الهجرة والجوازات. وقد ساهم ذلك في تسريع وقت عملية صعود المسافرين إلى الطائرة، حيث لم تعد هناك حاجة لموظفي شركات الطيران لفحص أوراق المسافرين يدوياً. ويمكن المسافرين ترك بطاقات الصعود إلى الطائرة ووثائق الامتعة وجوازات السفر في جيوبهم من دون الحاجة إلى ابرازها. وقد تم تطوير هذه الأدوات بحيث باتت قادرة على أن تتعرف الى الوجوه خلال أجزاء من الثانية مع دقة في النتائج بنسبة 99 في المئة حتى عندما يكون المسافر مرتدياً قناع الوجه. باختصار، ستصبح ملامح الوجه بمثابة جواز العبور خلال السفر.

 

الاختبارات والمعلومات الصحية كمعيار أساسي للسفر: جواز السفر الصحي الرقمي

 

بينما تترقب الشركات العاملة في قطاع الطيران حول العالم بحذر شديد ظهور #السلالة الجديدة من فيروس كورونا لتحديد طريقة الاستجابة لهذا التحوّر، بات عدد منها يستعد للتعامل مع جواز سفر رقمي، يوثق الفحوص الطبية للمسافر او تلقيه #اللقاحات المضادة للفيروس.

 

 

وأعلن الاتحاد الدولي للنقل الجوي “IATA” عن تطوير وثيقة سفر صحية رقمية “Travel Pass” من شأنها أن تساعد في تسريع إعادة فتح الحدود للسفر الدولي من خلال المشاركة الآمنة للمعلومات حول فحوص كوفيد-19 ولقاحاته. ويهدف هذا النظام إلى التحقق من الاختبارات الصحية ومن معلومات اللقاح بين الحكومات وشركات الطيران والمختبرات والمسافرين. ومن المقرر تجربة هذا النظام مع كل من شركة الخطوط الجوية البريطانية وشركة الخطوط الجوية السنغافورية.

 

 

وحتى الساعة، لا يوجد أيّ نظام دولي موحّد لمشاركة المعلومات والبيانات عن المسافر للتحقق إذا ما تلقّى الفحوص او اللقاح أم لا. إلا أنّ منظمة الصحة العالمية تعمل على إصدار شهادة تطعيم إلكترونية، ولكن هذا الأمر قد يستغرق وقتاً نظراً إلى العثرات القانونية والإدارية التي يجب حلّها مسبقاً قبل تعميم وجوب اللقاح كشرط مسبق للسفر. من جهة أخرى، تُطرح تساؤلات عدّة بشأن فرض اللقاح على المسافرين، بما في ذلك تعارض مع مبدأ حرية التنقل التي يضمنها القانون الدولي، بالإضافة إلى إمكانية الطعن بفرض اللقاح لدى المحاكم المحلية في دول مختلفة لمساسها بمبدأ الحرية الفردية للاختيار.

الهواتف الذكية “للسفر من دون اللمس” وتعقّب الاختلاط

 

استعمال الهواتف الذكية خلال السفر ليس بالأمر الجديد، ففي السنوات العشر الماضية، اعتمد العديد من المسافرين على هواتفهم الذكية للقيام بعمليات متعددة من حجز تذكرة السفر وتبديل المقعد والقيام بتسجيل الدخول وارشادات التوجّه الى البوابات وغيرها.

 

ومع انتشار جائحة كورونا والتحوّر في الفيروس، ستلعب الأجهزة المحمولة دوراً اساسياً خلال السفر، وذلك لتعقّب الاختلاط ولإدارة حشود المسافرين في الأماكن الضيقة. ولعلّ من أخطر الأماكن لانتقال الفيروسات خلال السفر هو جسر العبور للطائرة، حيث تكون سرعة دوران الهواء منخفضة ويتواجد المسافرون بأعداد مرتفعة وبشكل متقارب لفترة ليست بقصيرة.

 

وقد تم تطوير تطبيقات للهواتف الذكية تُستعمل لتبويب المسافرين، بحيث يقوم الهاتف بإشعارالمسافر بالتوقيت المحدد له فردياً لصعوده الى الطائرة، مع تذكيره للالتزام بإجراءات الوقاية من ارتداء قناع الوجه والحفاظ على مسافة آمنة من المسافرين الآخرين.

 

ويعمل عدد من البلدان على استحداث تطبيقات الهواتف الذكية التي تستخدم البلوتوث من أجل رصد تقارب الأجهزة والتي تعتمد على مشاركة بيانات خاصة بالمستخدم كنتائج الفحوص المخبرية أو معلومات عن تخالطه مع اشخاص مصابين بالفيروس في وقت سابق للرحلة. وتعمل الأجهزة الرسمية على تطوير منصات رقمية لمشاركة هذه المعلومات بشكل آمن في ما بين هيئات الطيران المدني وشركات الطيران والمطارات وإدارات مراقبة الحدود.

 

 

 

الأشعة فوق البنفسجية للتعقيم

 

شاع استخدام الأشعة فوق البنفسجية (ج) في تعقيم المستشفيات والمكاتب والمصانع، كذلك يُعتمد عليها كثيراً في تطهير مياه الشرب من الطفيليات.

 

وأظهرت دراسات سابقة إمكانية استخدام تلك الأشعة ضد الفيروسات التاجية مثل “سارس”، إذ يضر إشعاعها بالمادة الوراثية لتلك الفيروسات، بما يحول دون قدرة الفيروس على استنساخ نفسه. ونتيجة لذلك، يتم اللجوء للأشعة البنفسجية (ج) عالية التركيز لمكافحة فيروس كورونا. وقد بدأ عدد من المطارات الاستعانة بأجهزة روبوت لتعقيم الباحات وحافلات نقل الركاب بين المباني، كما وتستخدم شركات الطيران هذه التقنية لتطهير الطائرات بتعريضها للإشعاع لضمان خلو الطائرة من الفيروسات الضارة.

 

 

 

في ظل الوضع المتقلب عالمياً لجائحة كورونا ومع كل ما يخلقه ذلك من غموض، يصعب التخطيط لمستقبل قطاع الطيران كما يصعب التأكد من شكل السفر في السنوات القليلة المقبلة. لكن ما هو مؤكد أنه ليس من خيارات كثيرة للقيمين على قطاع النقل الجوي غير الابتكار كخطوة نحو إنعاش القطاع المحتضر الذي ضربه فيروس كوفيد-19 بقسوة. فهل ستنتصر التكنولوجيا على المخاطر البيولوجية وتعود الثقة بالسفر ويتم إنقاذ قطاع الطيران العالمي؟

المصدر:النهار

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى